السيد حيدر الآملي

209

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

الخامسة ، قوله : رقيم ، استعارة أصليّة للفلك تشبيها له باللوح المرقوم فيه ، ثمّ كثر استعمال هذا اللفظ في الفلك حتّى صار اسما من أسمائه . [ البحث الثالث ] ( في تشبيه العالم ببيت واحد ) البحث الثالث ، اعلم أنّ هذه الاستعارات تستلزم ملاحظة أخرى وهو تشبيه هذا العالم بأسره ببيت واحد ، فالسّماء كقبة خضراء نصبت على الأرض وجعلت سقفا محفوظا محجوبا عن أن تصل إليه مردة الشياطين كما تحمي غرف البيت بالسهام والحراب عن مردة اللصوص ، ثمّ هو مع غاية علوّه وارتفاعه غير محمول بعمد تدعمه ولا منظوم بدسار يشدّه ، بل بقدرة صانعه ومبدعه ، ثمّ إنّ تلك القبّة متزيّنة بالكواكب وضيائها الَّذي هو أحسن الزّينة وأكملها ، فلو لم يحصل صور الكواكب في الفلك لبقي سطحا مظلما ، فلمّا خلق اللَّه تعالى هذه الكواكب المشرقة في سطحه لا جرم استنار وزاد بذلك النّور والضّوء ، كما قال ابن عباس في قوله : بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ [ سورة الصّافات : 6 ] . أي بضوءها . وأنت إذا تأمّلت هذه الكواكب المشرقة المضيئة في سطح الفلك وجدتها عند النظر إليها كجواهر مرصوصة في سطح من زمرّد على أوضاع اقتضتها الحكمة أو كما قال : وكأنّ أجرام النجوم لوامعا درر نثرن على بساط أزرق ثمّ جعل من جملتها كوكبين هما أعظم الكواكب جرما وأشدّها إشراقا وأتمّها ضياء ، ومع اشتمالهما على تمام الحسن والزينة جعل أحدهما ضياء للنّهار والآخر ضياء للَّيل ، ثمّ لم يجعل ذلك السقف ساكنا بل جعله متحرّكا ليكون أثر صنعه فيه أظهر وصنع حكمته فيه أبدع ولم يجعل ذلك السقف طبقا واحدا بل طباقا أسكن في كلّ طبق ملاء من جنوده وخواصّ ملكه الَّذين ضربت بينهم وبين من دونهم حجب العزّة وأستار القدرة فلا يستطيع أحد أن ينظر إليهم فضلا عن أن يشبّه بمالكهم وخالقهم سبحانه وتعالى عمّا يقول الظالمون علوّا كبيرا ، هذا هو الحكمة الظاهرة الَّتي يتنبّه لها من له أدنى فطنة ، فيحصل منها عبرة شاملة لأصناف الخلق بحيث إذا لاحظوا مع جزئي من